إذا كانت الحكامة هي النهج في الحكم والإدارة وهو الشيء الذي يمكن ملامسة أصوله وتمظهراته في قراءة متأنية للخطابات الملكية وكذا التوجيهات والتعليمات السامية لكبار المسؤولين والقرارات الكبرى المتخدة والمبادرات الأساسية المسجلة على مستوى وضع وتسطير السياسات العمومية للدولة.
إلا أن صناعة الفساد تبقى متجدرة في كثير من الإدارات العمومية، وهو ما أكده تقرير الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة لسنة 2022 الذي أظهر حجم الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة وبشكل خاص وزارة الصحة وفي إنتظار تحرك المصالح الداخلية والخارجية للرقابة على المال العام. سنحاول من خلال هذه الحلقات ممارسة نوع من الرقابة الإجتماعية المبنية على تحريات ميدانية وإستعمال بعض المصادر المعلوماتية في إطار الحق في المعلومة لنظهر للرأي العام بعض ممارسات الفساد الممنهج الذي يعشش داخل هذه الوزارة.
تعتبر الرقابة على المال العام معيار حاسم في تدبيره وإستعماله لتجنب خطورة التبذير وسوء التدبير، وهي كل ما يتعلق بالتنظيم والتعديل،الفحص والإشراف، المراجعة والإجراءات التصحيحية، المحاسبة والمساءلة، وكذلك تخطيط منهجي إستراتيجي تقني وعقلاني يرتكز على خطة تنظيمية تحدد المستويات والسلطات والمهام والمسؤوليات، وليس مجرد تصرفات عرضية وردود أفعال لأحداث. وقد نص الفصل 36 من دستور 2011 وفي إطار مراقبة المال العام مايلي:
“على السلطات العمومية الوقاية، طبقا للقانون من كل أشكال الإنحراف المرتبطة بنشاط الإدارات والهيئات العمومية، وبإستعمال الأموال الموجودة تحث تصرفها، وبإبرام الصفقات العمومية وتدبيرها، والزجر عن هذه الإنحرافات”.
من أبجديات المراقبة في التسيير هو التعرف على دور ومهام كل موظف داخل أي مؤسسة عامة للوقوف على بعض المرافق الإدارية التي تعرف تداخلا في الإختصاصات وإزدواجية وتنازع في المهام المسندة، ونحن نفحص الهيكل التنظيمي لوزارة الصحة المتاح عبر موقعها الرسمي يتضح أن مديرية التخطيط والموارد المالية ومديرية التجهيزات والصيانة، اللذان يعتبران العمود الفقري للوزارة يوجدان في يد موظف واحد، مما يعني أنه هو المسؤول عن إعداد دفتر التحملات وبرمجة الصفقات وتسلمها بمديرية التجهيزات وما أدراك ما التجهيزات وأنه المسؤول كذلك عن الأداء وعن برمجة الإعتمادات المالية، إن جمع هذه المهام في يد شخص واحد يشكل خرقا سافر لمبدأ الحكامة والشفافية وتكافئ الفرص.
شيء آخر أثار إنتباهنا هو أن نصف مديريات الوزارة يشتغل مسؤولوها بالنيابة منذ ما يزيد عن أربع سنوات ظاهرة غريبة لوضع مؤقت وكأن الوزارة مازالت تعيش فترة الحجر الصحي أو سبات شتوي في الوقت الذي عرفت ميزانيتها المرتقبة لسنة 2024 إرتفاعا وصل إلى ما يناهز 31 مليار درهم.
أين هي الحكامة في التسيير سيادة الوزير؟ إلى متى هذا الوضع الإستثنائي؟ هل بهذه الطريقة يمكن تعزيز نجاعة وشفافية أداء تدبير المرفق العمومي؟
للإجابة عن كل هذه التساؤلات يمكنك الرجوع السيد الوزير إلى القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية الصادر سنة 2015 ومنشور رئيس الحكومة رقم 2021/09 بتاريخ 15 أبريل 2021 في نقطته الثانية المتعلقة بميثاق التدبير والذي يأكد إرتكاز نمط التدبير المنبثق عن القانون السالف الذكر على سلسلة من المسؤوليات التدبيرية والتي تضمن الإلتزام بنجاعة الأداء على كافة المستويات وإلى إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لأكتوبر 2003 وإعلان مراكش 2011 وإعلان الرباط 2023.
في كلمة إفتتاح المؤتمر العاشر للدول الأطراف في إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد السالفة الذكر الذي عقد بحر الأسبوع الماضي بالولايات المتحدة الأمريكية بحضور وفد مغربي ترأسه رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ذكر الأمين العام للأمم المتحدة بأن: “هذه الإتفاقية تعتبر منارة ضد الفساد وحذر من أن الفساد لا يزال يشكل تهديدا حقيقيا في كل أماكن العالم مشيرا إلى أن هذه الظاهرة لا تحرم الناس من مواردهم فحسب بل تحرمهم أيضا من الأمل”.
وفي إنتظار غد أفضل للحديث بقية …